النويري
417
نهاية الأرب في فنون الأدب
على عكَّا في منتصف الشّهر . فتخطَّف المسلمون منهم في مسيرهم وأخذوا من انفرد . وجاء الخبر إلى السّلطان برحيلهم ، فسار حتى قاربهم . ثمّ نزلوا على عكَّا قبل وصوله إليها ، ونازلوها من سائر جهاتها برّا وبحرا ، فلم يبق للمسلمين إليها طريق . ونزل السّلطان عليهم وضرب خيمته على تلّ كيسان « 1 » وامتدّت ميمنته إلى تلّ العياضيّة وميسرته إلى النّهر الجاري « 2 » ، ونزلت الأثقال بصفّوريّة . وسيّر الكتب إلى الأطراف يستدعى العساكر ، فأتاه عسكر الموصل ، وديار بكر ، وسنجار ، وغيرها من بلاد الجزيرة . وأتاه تقىّ الدّين ابن أخيه ، ومظفّر الدّين بن زين الدين صاحب حرّان والرّها . فكانت الأمداد تأتى المسلمين في البرّ وتأتى الفرنج في البحر . وكان بين الفريقين مدّة مقامهم على عكَّا حروب كثيرة . نحن نذكر المشهور منها على سبيل الاختصار ؛ وأمّا الحروب التي تكون بين بعض هؤلاء وبعض هؤلاء ، والمناوشات ، فلو شرحناها لطال بها الكتاب لأن مدّة هذا الحصار كانت ثلاث سنين وشهرا . وكان ابتداء القتال في مستهل شعبان من السّنة . فقاتلهم السّلطان في ذلك اليوم ولم يبلغ منهم غرضا ؛ ثم باكرهم القتال واستدار عليهم من سائر جهاتهم إلى أن انتصف النّهار ، وصبر الفريقان أعظم صبر . فحمل تقىّ الدّين من الميمنة على من يليه منهم وأزاحهم عن مواقفهم ، فركب بعضهم بعضا لا يلوى الأخ على أخيه ، والتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم . وانكشف نصف البلد ، وملك تقىّ الدّين مكانهم ، ودخل
--> « 1 » تل كيسان : بفتح الكاف وياء ساكنة : موضع في مرج عكا من سواحل الشام - معجم البلدان . « 2 » هو نهر بالس .